الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

252

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يجوز أن يكون عطفا على جملة إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ [ يس : 55 ] ويجوز أن يعطف على سَلامٌ قَوْلًا [ يس : 58 ] ، أي ويقال : امتازوا اليوم أيها المجرمون ، على الضد مما يقال لأصحاب الجنة . والتقدير : سلام يقال لأهل الجنة قولا ، ويقال للمجرمين : امتازوا ، فتكون من توزيع الخطابين على مخاطبين في مقام واحد كقوله تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [ يوسف : 29 ] . وامتاز مطاوع مازه ، إذا أفرده عما كان مختلطا معه ، وجّه الأمر إليهم بأن يمتازوا مبالغة في الإسراع بحصول الميز لأن هذا الأمر أمر تكوين فعبر عن معنى . فيكون الميز بصوغ الأمر من مادة المطاوعة ، فإن قولك : لتنكسر الزجاجة أشد في الإسراع بحصول الكسر فيها من أن تقول : اكسروا الزجاجة . والمراد : امتيازهم بالابتعاد عن الجنة ، وذلك بأن يصيروا إلى النار فيؤول إلى معنى : ادخلوا النار . وهذا يقتضي أنهم كانوا في المحشر ينتظرون ما ذا يفعل بهم كما أشرنا إليه عند قوله تعالى آنفا : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ [ يس : 55 ] ، فلما حكي ما فيه أصحاب الجنة من النعيم حين يقال لأصحاب النار : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [ يس : 54 ] ، حكي ذلك ثم قيل للمشركين وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ . وتكرير كلمة الْيَوْمَ ثلاث مرات في هذه الحكاية للتعريض بالمخاطبين فيه وهم الكفار الذين كانوا يجحدون وقوع ذلك اليوم مع تأكيد ذكره على أسماعهم بقوله : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ [ يس : 54 ] وقوله : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ [ يس : 55 ] وقوله : امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ . ونداؤهم بعنوان : الْمُجْرِمُونَ للإيماء إلى علة ميزهم عن أهل الجنة بأنهم مجرمون ، فاللام في الْمُجْرِمُونَ موصولة ، أي أيها الذين أجرموا . [ 60 - 62 ] [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 60 إلى 62 ] أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) إقبال على جميع البشر الذين جمعهم المحشر غير أهل الجنة الذين عجلوا إلى الجنة ، فيشمل هذا جميع أهل الضلالة من مشركين وغيرهم ، ولعله شامل لأهل الأعراف ، وهو إشهاد على المشركين وتوبيخ لهم .